محمود محمود الغراب

161

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

إن طيبها في المكان لا يزول بعد أن اكتسبه منها ، وأنه بها بعيد عهد ، ومع هذا فالطيب باق لقوة سلطانه ، لكان أشعر ، والنسيم ما نقل إلا طيب المكان والروض ، فكان ينبغي أن يصدق ، فكان يقول : « فعهدك اليوم به أقرب » يعني بالمكان أو بكل واحد منهما ، يعني الروض والمكان ، أو يقول : « بهم أقرب » فكذب بقوله : « بها أقرب » ؛ ثم إنه لا يلزم طيب المكان ولا طيب الروض من إلقاء العقد ولا من طيب الذيل ، قد يكون طيب الروض من الزهر ، وطيب المكان من أمر آخر ، مع وجود العقد فيه وانسحاب الذيل على الروض ، فهو قاصر بكل وجه . فهذا شعر لطيف اللفظ مليح ، وهو بالمعنى ليس بشيء ، لأن جمال الشعر والكلام أن يجمع بين اللفظ الرائق ، والمعنى الفائق ، فيحار الناظر والسامع ، فلا يدري ، اللفظ أحسن أو المعنى ، أو هما على السواء ؟ فإنه إذا نظر إلى كل واحد منهما أذهله الآخر من حسنه ، وإذا نظر فيهما معا حيراه ، فما يستحسن مثل هذا الشعر إلا ذو قلب كثيف ، فإن اللفظ لطيف والمعنى كثيف ، وإذا كان المعنى قبيحا عند الصحيح النظر ، لم يحجبه حسن اللفظ عن قبح المعنى ، فإن مثاله عندي مثال من يحب صورة في غاية الحسن ، منقوشة في جدار ، مزينة بأنواع الأصبغة ، تامة الخلق ، لا روح لها ، فإن المعنى للفظ كالروح للصورة ، هو جمالها على الحقيقة . ( ف ح 2 / 392 )